القانون

القانون

القانون

القانون

القانون

تقديم
إن المتتبع لواقع البلدان العربية يلاحظ أن كثيرا من القواعد
المجتمعية العرفية والترسانات القانونية والتشريعية على حد السواء وقفت حجرة عثرة أمام تقدم الإفراد والمجتمعات العربية حيث تم استغلالها لمصادرة الحقوق وتكريس قرون من القمع والقهر التسلط .
إدراكا منه بحساسية المرحلة الانتقالية الراهنة وضرورة الوقاية من استعمال آليات الدولة لمآرب خاصة ولفائدة جماعات ضغط محددة تحت ذريعة تحقيق «النظام» العام والأمان أو إعادة «توزيع» الثروات وتحقيق «العدالة الاجتماعية»… وإدراكا بضرورة إغناء المكتبة العربية والاعتبار من تجارب الأمم الناجحة يقدم مشروع منبر الحرية إلى القارئ العربي ترجمة لأحد الأعمال الرائدة للفيلسوف الاقتصادي الفرنسي فريديريك باستيا،
عرفانا وامتنانا له ولإسهاماته العلمية الكبيرة في التأسيس للفكر الحر. إنه کتاب «القانون».
كتاب من الصعب الحديث عن قيمته دون أن «تصدمنا» راهنية مضمونه، كتاب يتحدث لغة العصر، فبعد أكثر من قرنين من الزمن على كتابته، سيلاحظ القارئ أن كلاته لا تزال تنبض بالحياة والجاذبية وقوة الرؤية. يتوقف باستيا بقدرته التحليلية والتوقعية العالية، عند المبادئ والأسس الفلسفية العميقة للاقتصاد السليم. مبادئ تستمد خلودها من
مبدأ بسيط لكنه فعال: ضرورة احترام الحرية الإنسانية كمعطى ثابت وطبيعي.
إن هذا الخلود الفكري لكتابات باستيا، والقانون بصفة خاصة، نابعة من كون فريدريك باستيا الاقتصادي والسياسي الفرنسي آمن فعلا بأن الحرية مبدأ إنساني يتماهى والطبيعة الإنسانية.
لذلك نذر جزء كبيرا من حياته للدفاع عن الفكر الحر والحرية السياسية والاقتصادية.
اشتهر في أعماله المتعددة بانتقاده لدور الحكومة وتدخلها في الشؤون الاقتصادية، نظرا للآثار السلبية والعكسية التي يفرزها هذا التدخل، وما السياسات التدخلية وتبعاتها كأزمة الديون السيادية الراهنة والسياسات الاقتصادية ونتائجها في عالمنا العربي إلا تأكيد لا يقبل الشك على صحة وراهنية نظريات باستيا .
قالت مارغريت تاتشر -المشهورة بتحديثها وتحريرها للاقتصاد الانجليزي ووضعه على قاطرة التقدم، محررة إياه من براثن اللوبيات وجماعات الضغط المتحكمة في جهاز الدولة في ثمانينات القرن الماضي- قالت في حق فريدريك باستيا: «عند قراءتي لأعمال باستيا اكتشفت مدافعا
راقيا وشرسا عن الحرية والاستقلالية الفردية … فهو يذكرنا بأن قوة الدولة تجد أصلا لها في قوة الأفراد والمواطنين، وليس في الحكومات والمسيرين».
إدراكا منه للآثار السلبية للسياسات الحكومة وأزلامها واستغلالهم القانون وللقوة العمومية كأداة للابتزاز والاسترزاق والنهب، كان باستيا يقول: «ما الحكومة إلا ذلك الوهم التي يسعى من خلاله الجميع إلى العيش على حساب الجميع». لهذا، وللحد من التداعيات السلبية للتدخل الحكومي، يؤكد باستيا أنه يجب على الدولة أن « تقتصر على تحقيق العدالة والسلم والأمن، وتترك المجال للأفراد لتحقيق ذواتهم وممارسة حريتهم الفردية».
باستيا شخصية رائدة في مجال فلسفة الحرية، وتقديم ترجمة كتابه «القانون» إلى القارئ العربي في هذا التوقيت بالذات تكريم لهذا الفيلسوف الرائد، وحرص أكيد من منبر الحرية من جهة على المساهمة والتواجد في صميم منحى الشعوب العربية نحو أفق أكثر حرية وأكثر رحابة، ومن
جهة ثانية حرصا منا على التأكيد والتذكير على أن تمكن المجتمعات العربية من إزاحة وزر الدكتاتوريات والانعتاق من قبضة نظم الاستبداد التاريخية (التي كانت مهيمنة معتمدة على قوانين الطوارئ وترسانة قانونية غاشمة)
ليس إلا بداية طريق الألف ميل… وأن الازدهار لم ولن يتحقق إلا بعد إعادة الاعتبار للحرية الفردية المقرونة بالمسؤولية باعتبارهما فيها إنسانية كونية تساهم في خلق وتحفيز الأفراد والجماعات لتضعها في صلب مشروع
التقدم وتصنع منها قوة مؤثرة وفاعلة ومنتجة في واقعها وبيئتها ومجتمعها على كافة الأصعدة والمجالات…
د. نوح الهرموزي
أستاذ باحث ومدير مشروع منبر الحرية

إقرأ المزيد  آثار الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء

التحميل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

المرجوا إلغاء مانع الإعلانات لتتمكن من مشاهدة المحتوى